علماء يقولون أنه يجب البدء في دراسة تأثير انبعاثات الصواريخ على الغلاف الجوي

في كل مرة تقوم فيها شركات الفضاء بإطلاق صواريخها ، تنتج عن هذه العمليات أعمدة ضخمة من الإنبعاثات التي تترك بصمتها على البيئة و الغلاف الجوي للأرض. و تمتلئ هذه الأعمدة بالمواد التي يمكن أن تتجمع في الهواء على مر الزمن ، مما يحتمل أن تؤثر على الغلاف الجوي بطرق خطرة.

ويقول بعض العلماء أن هذه الظاهرة تعتبر الآن غير مفهومة جيداً ،  و اننا بحاجة إلى البدء في دراسة هذه الانبعاثات قبل زيادة عدد عمليات إطلاق الصواريخ بشكل كبير وهو ما تطمح له شركات الفضاء الناشئة في المستقبل القريب.

و يبدو ان الغازات التي تتضمنها هذه الأعمدة من الإنبعاثات ليست هي أكثر شيء يدعول للقلق. فبعض الصواريخ تنتج غازات الاحتباس الحراري ، مثل ثاني أكسيد الكربون ، ولكن نسبتها لا تكاد تذكر ، وفقا للخبراء.

و يقول “مارتن روس” ، وهو كبير المهندسين في شركة الفضاء “آيرو سبيس كوربوريشن” والذي يعمل على دراسة تأثير عمليات إطلاق الصواريخ على الغلاف الجوي : “يمكن أن تنمو قوة الدفع الصاروخي بعامل قدره 1000 ، وستظل تركيزات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء صغيرة جدا مقارنة بالمصادر الصناعية الأخرى” .

بدلاً من ذلك ، هناك جسيمات دقيقة يتم إنتاجها داخل العملية و التي نحتاج إلى الانتباه إليه ، كما يقول “روس”. حيث يتم إنشاء قطع صغيرة من السخام ومادة كيميائية أخرى تسمى الألومينا  أثناء إطلاق الصواريخ. ثم يتم حقنها في طبقة الستراتوسفير ، وهي طبقة الغلاف الجوي للأرض التي تبدأ من ستة أميال و ينتهي ارتفاعها الى حوالي 32 ميلاً.

و تظهر الأبحاث أن هذه المادة قد تتراكم في طبقة الستراتوسفير بمرور الوقت وتؤدي ببطء إلى استنفاد طبقة من الأكسجين تعرف باسم الأوزون. حيث يعمل الأوزون كدرع كبير ، يحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة و المنبعثة من الشمس. ومع ذلك ، فإن حجم استنفاد طبقة الأوزون ليس معروفًا تمامًا ، كما يقول “روس”.

وهذا هو السبب الذي جعله هو و باحثين آخرين في شركة “آيرو سبيس كوربوريشن” ، وهي منظمة غير ربحية تقدم الأبحاث والتوجيهات بشأن البعثات الفضائية ، يدعون إلى المزيد من الدراسات في هذا الشأن. حيث يشيرون الى ان هذه الدراسات ستكون مهمة بشكل خاص الآن بما أن صناعة الفضاء الخاصة في المراحل الأولى من ثورة عمليات الإطلاق.

وحاليا ، تعتبر عدد عمليات الإطلاق كل سنة صغير نسبيا ، حيث يتراوح عددها بين 80 و 90 ، وبالتالي فإن تأثير صناعة الفضاء على الغلاف الجوي ليس مثيرا للقلق. لكن في ورقة بحثية جديدة نشرت في أبريل ، جادل “روس” و زميله “جيم فيدا” بأنه مع زيادة عمليات الإطلاق ، فإن صانعي السياسة سيريدون في النهاية معرفة نوع الضرر الذي تسببه هذه المركبات للبيئة وما إذا كان إنشاء لوائح جديدة ضروريا. و عندما يحين ذلك الوقت ، سيكون من الأفضل الحصول على أكبر قدر ممكن من البيانات لاتخاذ أفضل القرارات.

كما أوردت المجلة العلمية “Nature” في شهر مارس الماضي تقريرا حول تأثير صواريخ “سبيس إكس” على الغلاف الجوي للأرض.

و يقول “جيم فيدا”، و هو أحد كبار محللي السياسات في “آيرو سبيس كوربوريشن” ، لموقع “ذا فيرج” : “إنها دعوة لمزيد من الأبحاث في هذا المجال لمعرفة بالضبط ما نضعه في الغلاف الجوي العلوي و كذلك مقدار هذه الإنبعاثات” .

حتى الآن ، فإن الأبحاث التي لديهم حول هذه الانبعاثات تأتي في الغالب من التجارب المعملية ، والنمذجة ، وبعض عمليات القياس المباشرة عن أعمدة دخان الصواريخ.

يضيف “فيدا”  أنه في مطلع هذا القرن ، حلقت بضعة الطائرات النفاثة في برنامج (مكوك الفضاء و مركبات أخرى) على ارتفاعات عالية والتي كانت مجهزة بأجهزة استشعار من خلال أعمدة الإنبعاثات لمعرفة ما هي المركبات العضوية الموجودة في داخلها .

و اتضح أن جميع أنواع الصواريخ تنتج هذه الانبعاثات ، ولكن بعض أنواع الصواريخ تنتج أكثر من غيرها. حيث تنتج الصواريخ التي تعمل على وقود الدفع الصلب كمية أكبر من جزيئات الألومينا ، وهي مزيج من الألمنيوم والأكسجين.

Screenshot_37

و يجدر الإشارة الى أن معظم الصواريخ المدارية لا تعمل على الوقود الصلب هذه الأيام ، على الرغم من أن بعض شركات الإطلاق مثل “إئتلاف الإطلاق المتحد” تضيف تعزيزات كبيرة إلى صورايخها لمنحها قوة دفع إضافية.

وفي الوقت نفسه ، تنتج الصواريخ التي تعمل على الكيروسين السائل ، وهو نوع من النفط المكرر ، انبعاثات أكثر من جزيئات السخام المظلمة و التي تعرف باسم الكربون الأسود. و يستخدم الكيروسين كوقود دافع للصواريخ مثل “أطلس 5” و “فالكون 9” من “سبيس إكس”.

يمكن للألومينا والكربون الأسود المنبعث من الصواريخ التراكم في طبقة الستراتوسفير لمدة ثلاث إلى خمس سنوات ، وفقا لـ “روس”. و عندما تتجمع هذه المواد فوق الأرض ، يمكن أن يكون لها تأثيرات مثيرة للاهتمام على الهواء . حيث يشكل الكربون الأسود طبقة رقيقة تقوم بامتصاص ضوء الشمس الذي يصل الأرض.

و يقول روس: “سيكون بمثابة مظلة سوداء رقيقة”. قد يساعد ذلك في الحفاظ على برودة الغلاف الجوي المنخفض ، ولكن الطاقة التي يتم اعتراضها من الشمس لا تختفي فقط. يتم ترسيبها في طبقة الستراتوسفير ، و بتسخينها قد يؤدي هذا الاحترار و في نهاية المطاف إلى تفاعلات كيميائية يمكن أن تؤدي إلى التأثير على طبقة الأوزون.

يمكن أن تؤثر جزيئات الألومينا العاكسة أيضًا على الأوزون ولكن بطريقة مختلفة. ففي حين يعمل السخام مثل المظلة السوداء ، تعمل الألومينا كاللون الأبيض العاكس، وتعكس ضوء الشمس إلى الفضاء. ومع ذلك ، تحدث تفاعلات كيميائية على سطح هذه الجزيئات البيضاء ، والتي بدورها تدمر طبقة الأوزون ، كما يقول “روس”.

و قد اقترح العلماء بالفعل الكربون الأسود والألومينا كعوامل محتملة للهندسة الجيولوجية أو أدوات لتبريد مناخ الاحترار. ولكن في حين أنها قد تبقي الأجواء المنخفضة باردة ، فإن عوامل الهندسة الجيولوجية قد يكون لها آثار جانبية أخرى غير مرغوب فيها أيضًا. حيث قد تتفاعل مع تيارات النفاثة ، مما يسبب الجفاف أو المزيد من العواصف الاستوائية. و لهذا السبب انتقد العديد من العلماء فكرة الهندسة الجيولوجية لمكافحة تغير المناخ.

ومع ذلك ، فإن الصواريخ تضع هذه الجسيمات في الهواء بغض النظر عن ذلك ، وهذا المنتج الثانوي لفقدان الأوزون سيكون له دراسات خاصة من قبل الباحثين . الذين يقولون أنه مع استمرار تضرر طبيقة الأوزون ، يمكن أن يصل المزيد من الإشعاع الضار للشمس إلى الأرض.

و يمكن أن تسبب هذه الأشعة فوق البنفسجية سرطان الجلد وإعتام عدسة العين. يقول روس: “هذا ما نحتاج إلى فهمه – جانب استنفاد طبقة الأوزون من هذا ، لأن حماية طبقة الأوزون تعد حتمية دولية”. بروتوكول مونتريال لعام 1987 ، على سبيل المثال ، هو اتفاق دولي للتخلص التدريجي من المواد التي تستنزف الأوزون.

Screenshot_38

الآن ، يقدر “روس” أن إطلاق الصواريخ حول العالم يضخ 10 جيغاغرام ، أو 11 ألف طن ، من السخام وجزيئات الألومينا في الغلاف الجوي كل عام. لكن هذا العدد قد يرتفع. و قد تعهدت شركة “سبيس إكس” بزيادة عدد عمليات الإطلاق التي تقوم بها كل عام ، وستبدأ العديد من الشركات الأخرى في إطلاق مركباتها الخاصة في وقت قريب. حيث لا يزال المجتمع العلمي لا يعرف مقدار التأثير الذي ستسببه على الغلاف الجوي.

و لهذا السبب فإن “روس” و زملاؤه يقترحون أن تستثمر الحكومات والجامعات في سلسلة من البرامج البحثية ، حيث يقوم العلماء بجمع المزيد من البيانات حول جسيمات الصواريخ من الطائرات والأقمار الصناعية.

و يضيف “روس” اننا يجب أن نتقدم على قضية التلوث قبل أن يكون لها عواقب أكثر شدة ، كما كان ينبغي لنا أن نفعل مع الحطام الفضائي. في الأيام الأولى من رحلات الفضاء ، لم يكن أحد مهتمًا حقًا بعدد المركبات الفضائية التي تم وضعها في الفضاء. ولكن سرعان ما أدرك الخبراء أن هذا الحطام الفضائي يمكن أن يتصادم ويتراكم مع مرور الوقت ، مما يجعل المدار الأرضي المنخفض غير قابل للاستخدام في يوم من الأيام. والآن ، هناك أنظمة قائمة لمنع تفاقم المشكلة ، لكن الكثير من الضرر قد حدث بالفعل.

و يأمل الباحثون أن يكونوا أكثر استعدادًا بشأن هذه الانبعاثات الصاروخية: الدراسة قدر ما نستطيع الآن ، حتى نتمكن من اتخاذ أفضل القرارات السياسية في المستقبل : “في مرحلة ما ، ستكون هناك نقطة حاسمة حيث فجأة ، يقول الجميع: انتظر لحظة نحن بحاجة لفهم هذا بشكل أفضل  …. نريد أن نكون سباقين قبل حدوث نقطة التحول هذه”.

“سبيس إكس” تحصل على الموافقة لبناء صاروخ المريخ “بيغ فالكون BFR” في لوس أنجلوس

المصدر